samedi 17 septembre 2016

تاريخ السلطان مولاي زيدان السعدي

الحلقة الأولى
في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م، تحل ذكرى وفاة عاهل مغربي شهدت له الدول الشرقية والأوروبية بعلمه وثقافته وكنوز مكتباته، لدرجة أن مكتبة الإسكوريال بضواحي العاصمة الاسبانية مدريد، تضم خزانتها عددا هائلا من كتب ومقتنيات هذا السلطان المغربي، فمن هو هذا العاهل المغربي الكريم ؟
إنه السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي.
توليته :
لما توفي السلطان أحمد المنصور الذهبي السعدي، اجتمع أهل الحل والعقد من أعيان فاس وكبرائها والجمهور من جيش المنصور على بيعة ولده زيدان، لاستخلافه إياه في حياته، وموته في حجره، وكان ممن تصدى لذلك قاضي الجماعة بفاس أبو الحسن علي بن عمران السلاسي، والأستاذ أبو عبد الله محمد الشاوي، وشيخ النظار أبو عبدالله محمد بن قاسم القصار والقاضي ابو القاسم أبي النعيم الذي قام في الناس خطيبا قائلا: أما بعد السلام عليكم فإن رسول الله لما مات اجتمع الناس على أبي بكر رضي الله عنه ونحن قد مات مولانا أحمد المنصور وهذا ولده مولانا زيدان أولى بالملك من إخوته، فبايعه الحاضرون يوم الاثنين 16 ربيع الأول سنة 1012هـ.
معارضة إخوة السلطان زيدان :
وفي شرح زهرة الشماريخ إن زيدان لما اشتغل بدفن والده احتال القائد أبو العباس أحمد بن منصور العلج فذهب بنصف المحلة إلى مراكش نازعا عن السلطان زيدان إلى الأمير أبي فارس بن المنصور ومر في طريقه بمكناسة فأخرج الشيخ المأمون بن المنصور من اعتقاله وحمله معه إلى أبي فارس فسجنه.
وبعد ذلك وقع انحراف أهل مراكش عن طاعة السلطان زيدان وبيعتهم لأخيه أبي فارس، ونشأ عن ذلك فتنة طال أمدها بين أبناء المنصور، ولما شق أهل مراكش العصا على زيدان كثر في ذلك القيل والقال حتى صدرت فتوى من قاضي فاس ابن أبي النعيم ومفتيها أبي عبدالله القصار تتضمن التصريح بحديث (إذا بويع خليفتين فاقتلوا الآخر منهما) وكانت بيعة أبي فارس بمراكش يوم الجمعة أواخر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة وألف وهو شقيق الشيخ المأمون وأمهما أم ولد اسمها الجوهر ويقال الخيزران واسم أبي فارس هذا عبدالله وتلقب بالواثق بالله وكان أكولا عظيم البطن مصابا بمس الجن ويقال إنه لذلك ابتنى المسجد الجامع بجوار ضريح الشيخ أبي العباس السبتي وشيد منارة وشحن الخزانة التي بقبلي الجامع المذكور بمجموعة كتب ونفيس الدفاتر كل ذلك رجاء أن تعود عليه بركة ذلك الشيخ بالبرء من تلك العلة وكان مع ذلك يميل إلى المروءة والرفق وحسن السيرة.
ثم نهض السلطان زيدان لحرب أبي فارس بمراكش لكنه انهزم أمامه قرب وادي أم الربيع ثم فراره إلى تلمسان
أما أخوه المأمون بن المنصور الذي ثار عليه بفاس فقد أيس منه السلطان زيدان وأرهقه بجموعه فخرج زيدان من فاس مع موكبه الملكي وثقله ناجيا بنفسه وتبعه جمع عظيم من أصحاب الشيخ المأمون فلم يقدروا منه على شيء وذهب إلى تلمسان فأقام بها مؤقتا الى أن يستجمع قواته لاستتباب أمن البلاد
وفي سنة 1012هـ، وصل الشيخ المأمون إلى فاس وتلقاه أهلها، ولما تم له غرضه من الانفراد بالسلطة بفاس استدعى الشيخين الفقيهين المعارضين، قاضي الجماعة أبي القاسم بن أبي النعيم ومفتيها أبي عبدالله محمد بن قاسم القصار فلامهما على مبايعة زيدان وقولهما فيه وفي أخيه أبي فارس إن أولاد الإماء لا يتقدمون في الأمر على أولاد الحرائر، وكان أبو فارس والشيخ ولدي أم اسمها الخيزران، وزيدان أمه حرة من الشبانات وعزم أن ينكل بهما لكنه بعث بهما مع جيش مراكش إلى أخيه أبي فارس ليرى فيهما رأيه فأما الشيخ القصار فتوفي قرب زاوية الشيخ ابن ساسي وحمل إلى مراكش ودفن بقبة القاضي عياض، وأما القاضي أبو القاسم فاجتمع بأبي فارس وقبل عذره وصفح عنه ورده مكرما إلى فاس.
---------------------------------------
والى الحلقة القادمة









الحلقة الثانية : 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
ففي سنة 1016هـ، هاجرت موجة من العرب الأندلسيين من غرناطة وأعمالها إلى بلاد المغرب، بعدما ذاقوا من ملوك الاسبان الكثير من الويلات، ومن أجل ذلك أخذوا يغادرون بلاد الأندلس إلى بلاد المغرب والشمال الافريقي، وهذه الفئة الأندلسية المهاجرة في هذه الفترة من عصر السعديين هي من بقايا الأندلسيين الذين هاجر جزء منهم في عهد المرينيين والوطاسيين، وقد تغيرت طباعهم وتخلق عامتهم بأخلاق العجم وحضارتهم وأثر فيهم ذلك أثرا ظاهرا لطول صحبتهم لهم ونشأة أعقابهم وذرياتهم بين أظهرهم فكانت تصدر منهم في بعض الأحيان تصرفات لا تحتمل في حق ولاة المسلمين من أهل المغرب وعامتهم لاسيما إذا نالهم منهم بعض الظلم، وفي ذلك قال المؤرخ الناصري: لقد رأيت في كتاب المعيار وغيره أسئلة وفتاوى صدرت عن علماء المغرب في حق هؤلاء الأصناف منهم، وكان الملوك السعديون قد جمعوا منهم جندا كبيرا واستعملهم السلطان أحمد المنصور الذهبي في فتح بلاد السودان واستمر الحال على ذلك إلى أن كانت سنة 1016هأ فهاجر جميع من لم يتنصر منهم إلى بلاد المغرب وبعض البلدان الأخرى في الشمال الافريقي والشرق
وقال صاحب نفح الطيب : كان النصارى بالأندلس قد شددوا على المسلمين بها في التنصر حتى أنهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك ومنعوهم من حمل السكين الصغير (الخنجر) فضلا عن غيرها من الأدوات الحديدية وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا ولم يقيض الله لهم ناصرا إلى أن كان إخراج النصارى إياهم أعوام 1017هـ فخرجت ألوف منهم الى فاس وألوف أخرى الى تلمسان ووهران وخرج الباقي الى تونس فتسلط عليهم الأعراب وقطاع الطرق ممن لا يخشى الله تعالى ونهبوا أموالهم وهكذا كان أيضا ببلاد تلمسان وفاس ونجا القليل منهم من هذه المضرة وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم وهم لهذا العهد قد عمروا قراها الخالية وبلادها.
وقال صاحب الخلاصة النقية في أمراء إفريقية ما نصه : وفي سنة 1016هـ قدمت الأمم الجالية من جزيرة الأندلس فأوسع لهم أمير تونس عثمان داي كنفه وأباح لهم بناء القرى في مملكته فبنوا نحو العشرين قرية واغتبط بهم أهل الحضرة وتعلموا حرفهم وقلدوا ترفهم.
وفي كتاب نفح الطيب : خرج كذلك طوائف من الأندلسيين بتطاوين وسلا والجزائر، واستخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكرا جرارا وسكنوا سلا، وكان منهم من الجهاد في البحر ما هو مشهور وحصنوا قلعة مدينة سلا (يعني رباط الفتح إذ هي يومئذ مضافة إلى سلا ومعدودة منها) وبنوا بها القصور والحمامات والدور على الطراز الأندلسي، وهم بهذا الحال ووصل جماعة منهم إلى القسطنطينية العظمى بتركيا وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام
-------------------------------------------
الى الحلقة القادمة

الحلقة الثالثة : 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
في سنة 1018هـ، أغار السلطان زيدان السعدي على مدينة فاس وطرد منها أخاه الثائر عليه الشيخ المأمون بن المنصور السعدي، وفر إلى العرائش ومنها عبر البوغاز الى الأندلس قاصدا طاغية الإصبنيول، مستصرخا به على السلطان زيدان، وأرفق معه أمه الخيزران وبعض عياله وجماعة من قياده وبطانته، وفر معه الأمراء الثوار منها قاصدين دار ابن مشعل اليهودي ببلاد بني يزناسن، وأثناء مقامه بفاس قبض على الفقيه القاضي أبي الحسن علي بن عمران السلاسي، لأمر نقمه عليه، وقد وصف اليفرني في كتابه الصفوة قضيته قائلا: كان القاضي المذكور ممن أخذ عن الشيخ القصار مفتي وخطيب جامع القرويين، وكان يسعى عند السلطان في تأخيره حتى أخر وولي هو مكانه مدة يسيرة ثم أعيد القصار وكانت بينهما شحناء عظيمة بسبب فتوى تنازعا فيها ثم أفضت الحال بالقاضي أبي الحسن إلى أن قبض عليه السلطان زيدان بسبب أنه عثر له على كتاب كتبه إلى بعض إخوته ينتقصه فيه ويوهن أمره فأوغر ذلك قلب السلطان عليه فسطا عليه وسجنه ونهب داره وأثاثه وكان القاضي أبو الحسن علي بن عمران السلاسي شديد الانحراف عن الشيخ العارف بالله أبي زيد عبدالرحمن بن محمد الفاسي سيئ الاعتقاد فيه ولم يزل يسعى به ويكيده فاتفق أن اجتمع بالشيخ في بعض الليالي بعض مستمعيه فتكلموا في مسائل من صفات الله فنقل كلام الشيخ إلى القاضي على غير وجهه فأنكر ذلك، وأبلغ السلطان زيدان بذلك وهو يومئذ بفاس منتهزا للفرصة فقال إن هاهنا رجلا يعلم الناس البدع ويلقنهم آراء الفرق الضالة فقال له السلطان من هو قال فلان قال أخو سيدي يوسف، قال نعم قال سمعنا أنه أعلم من أخيه ثم بعث السلطان إليه وهو مستشيط غضبا لخبر بلغه من ثورة بعض أقاربه عليه فجاء الشيخ أبو زيد الفاسي ولم يخلع نعله حتى بلغ بساط السلطان فسلم عليه ومد يده فصافحه ثم تكلموا في المسألة فانقطع القاضي ولم يجد ما يقول إلا أن الناقل لم يحسن نقلها فقال له الشيخ فهلا تثبت وكان بعض علماء مراكش حاضرا فبالغ في عتاب القاضي، وقيل للشيخ ما سبب الوحشة بينك وبين هؤلاء، فقال لا شيء إلا الاستغناء عنهم فقالوا يا سيدي هذا وصف يوجب الحب فما انفصل الشيخ عن السلطان حتى قبض على القاضي السلاسي ونهب داره في الحين فنزل الشيخ من فاس الجديد فلقي أثاث القاضي في الطريق جيء به منهوبا، وبقي القاضي في السجن إلى أن مات مسموما وكان الأديب الكاتب أبو عبد الله المكلاثي قد كتب إليه بأبيات يقول فيها ما نصه 
( أما لهلال غاب عنا سفور = فيجلى به خطب دجاه تثور ) 
( فصبرا لدهر رام يمنحك الأسى = فأنت عظيم والعظيم صبور ) 
( سيظهر ما عهدته من جمالكم = فللبدر من بعد الكسوف ظهور ) 
( وتحيى رسوم للمعالي تغيرت = فللميت من بعد الممات نشور ) 
( أبا حسن إني على الحب لم أزل = مقيما عليه ما أقام ثبير ) 
( ففي الفم ماء من بقايا ودادكم = وذلك عندي سائغ ونمير ) 
( عليكم سلام الله ما هطل الحيا = وغنت بأغصان الرياض طيور ) 
قال منشئها وقد أنشدتها بين يديه بمحبسه فبكى حتى ظننت أنه سيهلك ثم أفاق وقال 
( لله الأمر من قبل ومن بعد ) الروم 4 فراجعني رضي الله عنه بأبيات يقول فيها 
( تفتق عن زهر الربيع سطور = فما هي إلا روضة وغدير ) 
( هزمت من الصدر الجريح همومه = فأنت على جند الكلام أمير ) 
( محمد هل في العصر غيرك شاعر = له معكم في الخافقين ظهور ) 
( فإني على صفو الوداد وإنني = سأشدوا وقلبي بالهموم كسير ) 
( متى وعسى يثني الزمان عنانه = بنهضة جد والزمان عثور ) 
( فتدرك آمال وتقضي مآرب = وتحدث من بعد الأمور أمور ) 
( عليك سلام الله مني فإنني = غريب بأقصى المغربين أسير ) 
وكانت وفاة القاضي المذكور في جامع المشور في مهل ربيع الثاني سنة 1018هـ
---------------------
والى الحلقة القادمة


الحلقة الرابعة : 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
ففي سنة 1018هـ، استولى نصارى الإصبنيول على مدينة العرائش بعد إخلائها من سكانها من قبل الثائر الشيخ المأمون، وقد تقدم لنا أن المأمون فر إلى العرائش ومنها ركب البحر إلى طاغية الإصبنيول مستصرخا به على أخيه السلطان زيدان، فأبى الطاغية أن يمده بالعون، فراوده المأمون على أن يترك عنده أولاده وحشمه رهنا ويعينه بالمال والرجال حتى إذا ملك أمره سيوفي بما شارطه عليه ولم يزل به حتى قبل الطاغية بشرط أن يخلي له مدينة العرائش من المغاربة المسلمين ويملكه إياها، فقبل المأمون ذلك والتزم به، فعبر الى المغرب حتى نزل حجر باديس ثم توغل في بلاد الريف ولما سمع أهل فاس بذلك تخوفوا من شوكته وذهب اليه جماعة من علمائهم وأعيانهم كالقاضي أبي القاسم بن أبي النعيم والشريف أبي إسحاق إبراهيم الصقلي الحسيني وغيرهما لملاقاته وتهنئته بالقدوم فلما وصلوا إليه فرح بهم المأمون وأمر قبطان النصارى أن يطلق قذائف مدافعه وأنفاضه إرهابا وإظهارا لقوة النصارى الذين استنصر بهم ففعل حتى اصطكت الآذان وارتجت الجبال ونزل القبطان من السفينة للسلام على الأعيان، فلما رأوه مقبلا أمرهم الشيخ المأمون بالقيام له فقاموا إليه أجمعون وجازوه خيرا على ما فعل مع الشيخ من الإحسان والنصرة وسلم هو عليهم بنزع قلنسوته على عادة النصارى، وأنكر الناس على أولئك الأعيان قيامهم للكافر وضربوهم بعصى الذل حتى أنهم في رجوعهم إلى فاس تعرض لهم عرب قبائل الحياينة بشرق فاس، فسلبوهم وأخذوا ما معهم وجردوهم من ملابسهم جميعا ما عدا القاضي ابن أبي النعيم فإنه عرف بزي القضاء فاحترموه، وبعد ذلك انتقل المأمون إلى مدينة القصرالكبير (ويعرف أيضا بقصر كتامة وقصر عبدالكريم) فأقام بها مدة وراود رؤساء جيشه أن يقفوا معه في تمكين النصارى من مدينة العرائش ليفي له الطاغية بما وعده من المؤازرة، فامتنع الناس من إسعافه في ذلك ولم يوافقه على غرضه إلا قائده الكرني الذي بعثه إليها وأمره أن يخليها ولا يدع بها أحدا من المسلمين، فذهب القائد الكرني، وكلم أهلها في ذلك فامتنعوا من الجلاء عنها فقتل منهم جماعة وخرج الباقون وهم يبكون تخفق على رؤوسهم ألوية الصغار.
ثم دخلت سنة 1019هـ وفيها خرج المسلمون من العرائش، وأقام بها القائد الكرني إلى أن دخلها النصارى الاسبان واستولوا عليها، ووقع في قلوب المسلمين من الامتعاض لأخذ العرائش أمر عظيم وأنكروا ذلك أشد الإنكار، حتى قام الشريف أبو العباس أحمد بن إدريس العمراني طائفا على مجالس العلم بفاس، ومناديا بالجهاد والخروج لإغاثة المسلمين بالعرائش، فانضاف إليه أقوام وعزموا على التوجه لذلك، ففت في عضدهم قائدهم حمو المعروف بأبي دبيرة وصرف وجوهم عما قصدوه في حكاية طويلة.
وفي هذه النازلة الفظيعة تداول علماء المغرب آنذاك إصدار فتوى حول تسليم المأمون مدينة العرائش للنصارى الاسبان، فخشي الشيخ المأمون من فضيحته وإنكار الخاصة والعامة عليه إعطاءه بلدا من بلاد الإسلام للكفار، فاحتال في ذلك وكتب سؤالا كاذبا إلى علماء فاس مستغلا براءة نفوسهم يذكر لهم فيه أنه لما توغل في بلاد العدو الكافر واقتحمها كرها بأولاده وحشمه منعه النصارى من الخروج من بلادهم حتى يعطيهم ثغر العرائش وأنهم ما تركوه يخرج بنفسه حتى ترك لهم أولاده رهنا على ذلك فهل يجوز له أن يفدي أولاده من أيدي الكفار بهذا الثغر أم لا؟ فأجابوه بأن فداء المسلمين سيما أولاد أمير المؤمنين وحفدة سيد المرسلين من يد العدو الكافر بإعطاء بلد من بلاد الإسلام له جائز، وإنا موافقون على ذلك ووقع هذا الاستفتاء بعد أن وقع ما وقع وما أجاب من أجاب من العلماء عن ذلك إلا خوفا على نفسه وقد فر جماعة من تلك الفتوى كالإمام أبي عبدالله محمد الجنان صاحب الطرر على المختصر وكالإمام أبي العباس أحمد المقري مؤلف نفح الطيب فاختفيا مدة استبراء لدينهما حتى صدرت الفتوى من غيرهما وبسبب هذه الفتوى أيضا فر جماعة من علماء فاس إلى البادية كالشيخ أبي علي الحسن الزياتي شارح جمل ابن المجراد والحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي وغيرهما
------------------------------------
والى الحلقة القادمة


الحلقة الخامسة : 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
ففي سنة 1022هـ، نزل الثائر الشيخ المأمون ابن المنصور بقبائل الفحص في الشمال واجتمعت عليه لمة من أهل الدعارة والفساد على شاكلته فنهض بهم إلى مدينة تطاوين، فأغار عليها وأخرج منها كبيرها المقدم المجاهد أبا العباس أحمد النقسيس، وبقي فيها يجول في بلاد الفحص ويعسف أهلها إلى أن ملته القلوب وتمالأ أشياخ الفحص على قتله لما رأوا من انحلال عقيدته وضعف ديانته وتمليكه ثغر الإسلام للكفار (العرائش) ففتك به المقدم أبو الليف ذات يوم في وسط محلته بموضع يعرف بفج الفرس وقتله وبقي صريعا مكشوف الجسد والعورة أياما حتى خرج جماعة من أهل تطاوين فحملوه مع من قتل معه من أصحابه كالدبيريين وبعض أولاده ودفنوهم خارج المدينة إلى أن نقلت جثته إلى فاس الجديد مع أمه الخيزران فدفنا به.
وقد حكى المؤرخ منويل هذه الحادثة قائلا : وصل المأمون إلى قرب تطاوين وبنى هنالك أفراكا (خياما) وأقام ينتظر اجتماع الجيوش عليه ثم سكر ذات يوم على عادته وخرج إلى عين ماء هنالك فاستلقى قربها في نبات أخضر أعجبته خضرته فجاءه أناس من أهل تلك البلدة فعرفوه وشدخوا رأسه بصخرة فقتلوه، ويقال إن قتله كان بإشارة الثائر أبي محلي (ستأتي أخباره)، وإنه كتب إلى المقدمين النقسيس وأبي الليف يحضهما على قتله فقتلوه وانتهبوا ماله وكان شيئا كثيرا ومن جملة ما نهب منه نحو مد اليد من الياقوت وبقي من أثاثه نحو وسق (حمولة) سفينة كان قد تركها بمرسى طنجة، فاستولى عليه نصارى البرتغال بعدما قتل.
وقال الناصري : وكان للشيخ المأمون عفا الله عنه مشاركة في العلم ويد في مبادئ الطب، وقد أخذ العلوم عن أشياخ الحضرتين وله شعر متقارب، ومن كتابه الأديب المتفنن أبو العباس أحمد بن محمد الغرديس التغلبي وكان من أهل الإجادة والتبريز في صناعة الإنشاء، وقال الشيخ أبو محمد العربي الفاسي في شرحه لدلائل الخيرات عند قوله وكان لي جار نساخ ما نصه: وقد كان الشيخ الكاتب الرئيس أبو العباس أحمد الغرديس شيخ كتاب الإنشاء بحضرة فاس استعار مني كتاب الأنباء في شرح الأسماء للإقليشي، ثم مرض مرض موته فعدته فوجدت الكتاب عند رأسه ومعه كراريس منسوخة، وأخرى معدة للنسخ، فقال لي: إني إذا وجدت راحة كتبت منه ما قدرت عليه، فإذا غلبني ما بي من المرض أمسكت، فقال له ولم تتكلف هذا؟ فقال: إني عصيت الله بهذه الأصابع ما لا أحصيه فرجوت أن يكون ما أعانيه على هذه الحال من نسخ هذا الكتاب خاتمة عملي وكفارة لذلك فكمل الله قصده وأتم الكتاب وتوفي من مرضه ذلك وقد طال به المرض الى سنة 1020هـ.
ولهذا الكاتب يقول الشاعر
( تمتعت يا غرديس والدهر راقد = وأنت بفاس وابن حيون واجد )
( بسعدك راحت خيزران لقبرها = مصائب قوم عند قوم فوائد )
------------------------------------
والى الحلقة القادمة


الحلقة السادسة : 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
وهي بعنوان : رياسة أبي عبدالله سيدي امحمد العياشي الجهاد ضد النصارى.
أمام استفحال التدخل الأجنبي الأوروبي في سواحل وثغور المغرب، ظهر الرجل الولي المجاهد في سبيل الله، واسمه سيدي امحمد بن أحمد المالكي الزياني المعروف بالعياشي ونسبته إلى بني مالك إحدى قبائل منطقة الغرب (من عرب زغبة الهلاليين)، وكان مستوطنا مدينة سلا، وهو من تلاميذ الولي العارف بالله الشيخ سيدي عبدالله بن حسون السلاسي، دفين سلا، وكان ابتداء أمره عندما كان ملازما لشيخه المذكور من أقرب التلامذة إليه وأسرعهم إلى خدمته وأولهم دخولا عليه وآخرهم خروجا عنه وكان مع ذلك كثير الورع قليل الكلام مديما للصيام وقراءة القرآن فكان الشيخ ابن حسون ملتفتا إليه ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن شاعت مناقب الشيخ وكثر غاشيه فأهدى له يوما بعض أشياخ القبائل فرسا فأمر الشيخ بإسراجه وقال أين محمد العياشي فقال ها أنا ذا يا سيدي فقال الشيخ اركب بحول الله فرسك ودنياك وآخرتك فتقهقر تأدبا فحلف عليه ليركبن وحبس له الركاب بيده وقال له ارتحل عني إلى مدينة آزمور وانزل على قبيلة أولاد بوعزيز ولا بد لك من الرجوع إلى هذه البلاد وسيكون لك شأن عظيم فودعه أبو عبدالله العياشي ووضع الشيخ يده على رأسه وبكى ودعا له بخير فقصد ناحية آزمور ونزل حيث عين له شيخه المذكور وذلك لأول دولة السلطان مولاي زيدان المنصور سنة 1013هـ وبقي العياشي مثابرا على الجهاد شديد الشكيمة على العدو عارفا بوجوه المكايد الحربية بطلا شهما مقداما في مواطن الإحجام وقورا صموتا عن الكلام فطار بذلك في البلاد صيته وشاع بين الناس ذكره لما هو عليه من التضييق على نصارى مدينة الجديدة، وكانوا يومئذ قد استفحل أمرهم ففرح بذلك قائد آزمور، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن توفي قائد الفحص والبلاد الآزمورية فسأل السلطان زيدان عمن يليق بتولية ذلك الثغر فقيل له سيدي محمد العياشي فكتب إليه بالتولية، فقبل ونهض بأعباء ما حمل من ولاية الفحص وجهاده، وكانت له مع نصارى الجديدة وقائع ضيق عليهم بها حتى منعهم من الحرث والرعي فبعث النصارى إلى حاشية السلطان زيدان بالتحف ونفائس الهدايا ليعزلوا عنهم العياشي لمضايقته لهم فخوفوا السلطان زيدان عاقبته وحضوه على عزله، وأظهروا له أنه مسموع الكلمة في تلك النواحي وأنه يخشى على الدولة منه، وكان العياشي كلما بعث بالغنائم وما فتح الله به عليه من الأسرى إلى مراكش ازدادت شهرته، وتناقل الناس حديثه فأوغر بذلك قلب السلطان زيدان، وتخوف منه، فبعث إليه قائده محمد السنوسي في 400 فارس، وأمره بالقبض عليه، أو قتله وألقى الله في قلب القائد المذكور الشفقة عليه لما يعلم من براءته مما قذف به فبعث إليه خفية أن أنج بنفسك فإنك مغدور فخرج العياشي في أربعين رجلا فرسانا ومشاة قاصدين مدينة سلا، فاستقر بها الى سنة 1023هـ، ولما انتهى السنوسي إلى آزمور ولم يجد له أثرا أظهر العناية بالبحث عنه وعاقب شرذمة من أهل الفحص على إفلاته تعمية على السلطان وإقامة لعذره عنده فقبل السلطان زيدان ذلك، ونجا العياشي من مكائد العدو الأجنبي.
-----------------------------
والى الحلقة القادمة


الحلقة السابعة : 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
وهي بعنوان : ثورة الفقيه أحمد بن عبدالله السجلماسي المعروف بأبي محلي.
حكى صاحب كتاب النزهة، أن أبو العباس أحمد بن أبي محلي السجلماسي ثار على الأوضاع التي آل اليها المغرب، فصرح أمام جموع الناس التي انثالت عليه بأنه آن الأوان بوجوب القيام بتغيير المنكر الذي شاع في البلاد وقال إن أولاد السلطان المنصور السعدي قد تهالكوا في طلب الملك حتى فنى الناس فيما بينهم وانتهبت الأموال وانتهكت المحارم فيجب الضرب على أيديهم وكسر شوكتهم، ولما بلغه ما فعل الشيخ مولاي المأمون من إجلاء المسلمين عن العرائش وبيعها للعدو الكافر، استشاط غضبا وخرج يؤم سجلماسة وكان خليفة السلطان زيدان عليها يومئذ يسمى الحاج المير فخرج هذا العامل لصده بقوات تعدادها 4000 وابن أبي محلي في نحو 400 فلما التقى الجمعان كانت الدبرة على جيش السلطان وأشاع الناس أن الرصاص يقع على أصحاب أبي محلي باردا لا يضرهم ونفخ الشيطان في هذه الفرية فسكنت هيبته في القلوب وتمكن ناموسه منه ولما دخل سجلماسة أظهر العدل وغير المنكر، فأحبته العامة وقدمت عليه وفود أهل تلمسان وسجلماسة يهنئونه وفيهم العلامة سعيد الجزائري المعروف بقدورة، شارح السلم وهو من تلامذة ابن أبي محلي، ولما بلغ خبر الهزيمة إلى السلطان، جهز إليه من مراكش جيشا وأمر عليه أخاه عبدالله بن المنصور المعروف بالزبدة فسمع به أبو محلي فسار إليه فكان اللقاء بينهما بدرعة فوقعت الهزيمة على عبدالله بن المنصور ومات من أصحابه نحو 3000 فقوي أمر ابن أبي محلي واشتدت شوكته وجمع بين سجلماسة ودرعة، وكان القائد يونس الأيسي قد هرب من السلطان زيدان لأمر نقمه عليه، وقصد أبي محلي فجاء معه يقوده ويطلعه على عورات السلطان زيدان ويهون عليه أمره، وما زال به إلى أن أتى به إلى مراكش فبعث إليه السلطان جيشا كثيفا هزمه أبو محلي وتقدم فدخل مراكش واستولى عليها وفر السلطان زيدان إلى ثغر مدينة آسفي وقرر ركوب البحر إلى بر العدوة بالأندلس.
وذكر الوزير البرتغالي في كتابه أخبار الجديدة: إن نصارى الجديدة بعثوا إلى السلطان زيدان بمائتين من مقاتلتهم إعانة له على عدوه من غير أن يطلب منهم ذلك، فلما وصلوا إليه أنف من الاستعانة بهم على المسلمين لكنه أحسن إليهم وأطلق لهم بعض أسراهم وردهم مكرمين هذا كلامه والحق ما شهدت به الأعداء.
ولما دخل أبو محلي قصر الخلافة بمراكش فعل فيه ما شاء، وولد له هنالك مولود سماه زيدان، ويقال إنه تزوج أم السلطان زيدان نفسها، وبنى بها ودبت في رأسه نشوة الملك ونسي ما بنى عليه أمره من الحسبة والنسك.
وفي كتاب المحاضرات للشيخ اليوسي : أن إخوان ابن محلي من الفقراء (تعبير صوفي يعني المريدون) ذهبوا إليه حين استولى على مراكش برسم زيارته وتهنئته فلما كانوا بين يديه أخذوا يهنئونه ويفرحون له بما حاز من الملك، وفيهم رجل ساكت لا يتكلم فقال له ما شأنك لا تتكلم وألح عليه في الكلام فقال الرجل أنت اليوم سلطان فإن أمنتني على أن أقول الحق قلته قال له أنت آمن فقل فقال إن الكرة التي يلعب بها الصبيان يتبعها المائتان وأكثر من خلفها وينكسر الناس وينجرحون وقد يموتون ويكثر الصياح والهول فإذا فتشت لم يوجد فيها إلا شراويط أي خرق باليه ملفوفة فلما سمع ابن أبي محلي هذا المثل وفهمه بكى وقال رمنا أن نجبر الدين فأتلفناه.
-----------------------------
والى الحلقة القادمة


الحلقة الثامنة : 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
وهي بعنوان : استصراخ السلطان زيدان بأبي زكرياء يحيى بن عبد المنعم الحاحي ضد أبي محلي
قال الناصري في الاستقصا: في سنة 1022هـ لما التف الرعاع من العامة على الثائر أبي محلي وكثرت جموعه وأدرك السلطان زيدان ضعفه عن مقاومته، كتب إلى الفقيه أبي زكرياء يحيى بن عبدالله بن سعيد بن عبدالمنعم الداودي الحاحي مستغيثا به، وكان يحيى قاطنا بزاوية والده بجبل درن (وهو الأطلس الكبير) وله شهرة عظيمة وأتباع في سوس، ثم وفد عليه السلطان بنفسه في موكبه، وقال له: إن بيعتي في أعناقكم وأنا بين أظهركم فيجب عليكم الذب عني ومقاتلة من ناوأني، فلبي أبو زكرياء يحيى دعوته وحشر رجاله من كل جهة وقصد مراكش، ولما وصل إلى بلدة ايمي نتانوت (بوابة جبال الأطلس الكبير المطلة على سهل الحوز)، كتب إليه أبو محلي بما نصه :
بسم الله الرحمن الرحيم، من أحمد بن عبدالله إلى يحيى بن عبدالله، أما بعد فقد بلغني أنك جندت وبندت، وفي فم تانوت نزلت اهبط إلى الوطاء (السهل) ينكشف بيننا الغطاء، فالذئب ختال والأسد صوال، والأيام لا تستقيم إلا بطعن القنا وضرب الحسام والسلام.
فأجابه الفقيه يحيي الحاحي بما نصه: من يحيى بن عبدالله إلى أحمد بن عبدالله، أما بعد فليست الأيام لي ولا لك، إنما هي للملك العلام، وقد أتيتك بأهل البنادق الأحرار من الشبانة (قبيلة بالحوز) ومن انتمى إليهم من بني جرار ومن أهل الشرور والبؤس من هشتوكة إلى بني كنسوس (قبائل في سوس)، فالموعد بيني وبينك جيليز (الجبل المطل على مراكش) هنالك ينتقم الله من الظالم ويعز العزيز، ثم زحف الفقيه أبو زكرياء يحيى إلى مراكش في جموعه فنزل بقرب جيليز، وبرز إليه أبو محلي والتحم القتال بينهما فكانت أول رصاصة أصابت نحر أبي محلي، فهلك مكانه واندعرت جموعه ونهبت محلته واحتز رأسه وعلق على سور مراكش، فبقي معلقا هنالك مع رؤوس جماعة من أصحابه نحوا من 12 سنة، أما جثته فحملت ودفنت بروضة الشيخ أبي العباس السبتي بمراكش، تحت المكتب المعلق هنالك عند المسجد الجامع، وزعم أصحابه أنه لم يمت ولكنه تغيب وذلك من فرط محبتهم له.
ويذكر انه لما طاف بالبيت الحرام في وجهته الحجازية، سُمع وهو يقول: يا رب إنك قلت وقولك الحق (وتلك الأيام نداولها بين الناس) فاجعل لي يا رب دولة بينهم، واستغرب سامعوه لدعائه الغريب، لأنه لم يسأل حسن العاقبة، فرزق الدولة، وآل به الأمر إلى ما أبرمته يد القدرة، وكان أبو محلي فقيها محصلا، له قلم بليغ ونفس عال، وله كتب وتآليف منها (الوضاح والقسطاس) و(الأصليت) و(الهودج) و(منجنيق الصخور في الرد على أهل الفجور) و(جواب الخروبي عن رسالته الشهيرة لأبي عمرو القسطلي) وغير ذلك، وقد وقعت بينه وبين يحيى بن عبدالله مراسلات وهجاءات نظما ونثرا كقوله :
( أيحيى الخسيس النذل مالك تدعي = بزور شعارا للفحول الأوائل ) 
( كدعواك في بيت النبوة نسبة = وأنت دنيء من أخس القبائل ) 
( ووجهك وجه القرد قبح صورة = ورأسك رأس الديك بين المزابل )
ويزعمون أن يحيى كان معاشرا لأبي محلي أيام الدراسة بفاس، وقد رمز الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد المريدي المراكشي تاريخ ثورة أبي محلي ووفاته فقال: قام طيشا ومات كبشا، ولا يخفى ما فيه بعد إفادة التاريخ من حسن التلميح وبديع التورية.
ولما قتل ابن أبي محلي دخل أبو زكرياء يحيى الحاحي مدينة مراكش منتصرا، واستقر بدار السلطان فيها، وألقى بها عصا تسياره، ورام أن يتخذها دار قراره، فكتب إليه السلطان زيدان رسالة وهي موضوع الحلقة القادمة
-----------------------------
وإلى الحلقة القادمة


الحلقة التاسعة: 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
بعد مهلك الثائر ابن أبي محلي، دخل أبو زكرياء يحيى الحاحي مدينة مراكش منتصرا، واستقر بدار السلطان فيها، وألقى بها عصا تسياره، ورام أن يتخذها دار قراره، فكتب إليه السلطان زيدان رسالة هذا نصها :
أما بعد فإن كنت جئت لنصرتي وكف يد ذلك الثائر عني، فقد أبلغت المراد وشفيت الفؤاد، وإن كنت رمت أن تجر النار لقرصك، وتجعل الملك من قنصك، فأقر الله عينك به والسلام.
فاستعد يحيى الحاحي للعودة إلى وطنه بسوس، وأظهر العفة عن الملك، وأنه جاء ليدافع عن السلطان الذي بيعته في عنقه، ورجع السلطان زيدان إلى عاصمته مراكش، فاستقر بدار ملكه، وقد قيل إن يحيى حدثته نفسه في الاستيلاء على الحكم، وأن جنوده من أهل سوس لم يساعدوه في قصة طويلة.
سيرته :
اسم هذا الزعيم الفقيه: سيدي يحيى بن عبدالله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي الداودي المناني، وكان جده الفقيه سيدي سعيد الحاحي، واحد وقته علما ودينا وهو الذي أحيا الله به السنة بسوس وانتعش به الإسلام فيه وتوفي سنة 953هـ فخلفه ولده سيدي عبدالله الحاحي، وجرى على نهجه وسبيله بل كان بعض الناس يفضله على أبيه وتوفي سنة 1012هـ، ودفن بزداغة (قبيلة إداوزداغ) من جبل درن، حيث كانت زاويته ولما مات، خلفه ولده أبو زكرياء يحيى في موضعه، وانتهج سبيله وكان فقيها مشاركا، درس إلى فاس وأخذ عن شيوخها كالمنجور وغيره وعن الشيخ العارف أبي العباس أحمد الحسني على ما وجد بخطه السوساني الشهير بأدفال دفين درعة، وهو معتمده أخذ عنه كثيرا من الفنون وأجازه في علوم الحديث إجازة عامة وكان يحيى شاعرا محسنا وكانت له شهرة عظيمة بالصلاح وله أتباع كوالده وجده وتوجهت إلى زيارته الهمم وركبت إليه النجائب إلا أنه وقع له قريب مما وقع لأبي محلي فتصدى للملك وخاض في أمور السلطنة فتكدر مشربه وقد قال بعض العلماء إن الرياسة إذا دخلت قلب رجل لا تقصر عن إذهاب رأسه ولذلك قال صاحب الفوائد في حقه إنه قام لجمع الكلمة والنظر في مصالح الأمة فاستمر به علاج ذلك إلى أن توفي ولم يتم له أمر، وكان يراسل السلطان زيدان ويكثر عليه ويجير عليه من استجار به ويروم إلى مناصحته ابتغاء، ويحسو من ذلك حسوا في ارتغاء، وكان السلطان زيدان يتحمل منه أمرا عظيما.
وفي الحلقة القادمة سنعرض المراسلات التي دارت بين السلطان زيدان والفقيه الفارس أبي زكرياء يحيى الحاحي
-----------------------------
فإلى الحلقة القادمة




الحلقة العاشرة: 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
وهي بعنوان : رسالة أبي زكرياء يحيى الحاحي الى السلطان زيدان السعدي، وفيما يلي نص الرسالة :
من يحيى بن عبدالله بن سعيد بن عبدالمنعم، كان الله له بجميل لطفه آمين، اللهم إنا نحمدك على كل حال ونشكرك يا ولي المؤمنين على دفع اللواء والمحال ونستوهبك يا مولانا جميل لطفك وجزيل فضلك في المقام والترحال عائذين بوجهك الكريم من مؤاخذتنا بسوء أعمالنا يا شديد المحال هذا وسلام الله الأتم ورضوانه الأعم ورحمته وبركاته على المولى الإمام العلم المقدام العلوي الهمام كيف أنتم وكيف أحوالكم مع هذا الزمان الذي شمر عن ساقه لسلب الأديان وألح في اقتضاء هواه على كل مديان، فإنا لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبعد، فالباعث به إليكم في هذه البطاقة أمور ثلاثة مدارها على قوله ( الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولخاصة المسلمين وعامتهم ) فالأول بيان سبب الركون إلى جانبكم والثاني الحامل على دفع مناويكم والثالث ملازمة نصحكم وتذكيركم والضجر مما يصدر منكم ومن أعوانكم للرعية.
أما الأول : فله أسباب كثيرة منها مراعاة الجناب النبوي الكريم في أهل بيته، ورضي الله عن أبي بكر الصديق القائل ارقبوا محمدا في أهل بيته، والقائل لقرابة رسول الله أحب إليّ أن أصل من قرابتي 
( يا أهل بيت رسول الله حبكم = فرض من الله في القرآن أنزله )
( يكفيكم من عظيم المجد أنكم = من لم يصل عليكم لا صلاة له )
ومنها نصح خاصة المسلمين الذي هو الدعاء بالهداية لهم ورد القلوب النافرة إليهم ونصحهم بقدر الإمكان مشافهة ومراسلة ومكاتبة، وقد بذلنا الجهد في الجميع أخلص الله القصد في الجميع.
وأما الثاني : فلما جرى القدر بتغلب ذلك الإنسان المتسلط على النفس والحريم والأموال وأدخل بتأويلاته البعيدة عن الصواب ما ليس في المذهب وتعدى خصوص الولاة إلى سائر الرعية فاضلها ومفضولها ومد مع ذلك يد الوعيد المؤكد بالإيمان إلينا في الأنفس والأموال فناشدناه كما تقرر في فتاوى الأئمة رضي الله عنهم، حيث توفرت فيه فصول الصائل كلها بشاهد العيان فكان الأمر كما قدر الله تعالى ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) سورة الروم 4.
وأما الثالث : فالكتاب والسنة والإجماع.
- أما الكتاب : فسورة والعصر قائمة البرهان في كل أوان وعصر، وقال تعالى في قضية كليمه (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) سورة القصص 17، وقد استشهد به بعض العلماء في بري قلم لكاتب بعض الأمراء المتقدمين وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقوله جل من قائل ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) سورة المائدة 2، 
- وأما السنة : فالحديث الأول قوله ( المعين شريك) وقوله ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وقد كنا مقتصرين على التغيير باللسان والقلم، لكون التغيير العملي إليكم حتى جذبتمونا إليه، ودللتمونا بارتكاب أصعب مرام عليه وقوله ( من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله)، وقد قال المواق في شرحه على المختصر: من أعان على عزل إنسان وتولية غيره ولم يأمن سفك دم مسلم فهو شريك في دمه إن سفك، ثم أتى بالحديث المتقدم استعظاما لذلك الأمر الفظيع فإنا لله وإنا إليه راجعون، على أننا انخدعنا بالله حتى كنا نأمن بالقطع سفك الدماء إذ ذاك حيث كتبت إلينا مرارا وأمنت وأرسلت وكنت أتخوف من هذا الواقع اليوم بآزمور وآسفي ومراكش والغرب، ولذلك كنت ألححت عليكم في تقرير العهد حتى أتاني القائد عبد الصادق بمصحف ذكر انه السلطان تلمسان في جرم صغير وقال لي أمرني السلطان أن أحلف لك فيه نيابة عنه على بقائه على العهد فيما بينك وبينه من تأمين كل من أمنته وإمضاء كل ما رأيته صلاحا للأمة، ثم لم أكتف حتى أتى القاضي فكتبت إلي معه إن كل ما رأيت فيه الصلاح للأمة أمضيته وأنك آمنت كل من أمنته ثم بعد استقرارك في دارك كتبت إلي كتابا إنك باق على ما تعاهدنا معك عليه من الأمور كلها على معيار الشريعة فما راعني إلا وقد أخفرت في ذمة الله وأماني الذي عقدته للناس فمن مأسور ومقيد ومطلوب بمال ومطرود عن بلد وأخبار آخر ترد علينا من جهة السواحل وأن الناس تباع فيها للعدو دمره الله، ولم نر من اهتبل بذلك ممن قلدتموه أمور الثغور، فلم ندر هل بلغك ذلك فتسقط عنا ملامة الشرع أو لم يبلغك، فأعلمنا الله لتطمئن قلوبنا، فإني أكاتبك في ذلك فلا أرى جوابا فقضيت والله من الأمر عجبا فإن عددت ما منّ الله به عليك من رجوعك إلى سرير ملكك واجتماعك بسربك آمنا من قبيل النعم، فقيده بما تقيد به كما في كريم علمك، وإن رأيته بنظر آخر، فإن لله ما في السموات وما في الأرض، 
- وأما الإجماع : فلم نر من العلماء من نهى عن نصح خاصة المسلمين وتنبيههم على ما يصلح بهم وبالرعية، بل عدوه من الدين للحديث الأول وغيره وأما ما استشعرناه من امتعاضكم من عدم الأنة القول في مكاتبتنا لكم فما خاطبناكم قط رعيا لذلك ولو بنصف ما خاطب به الأئمة الأول أهل زمانهم اتكالا على مطالعتكم لكتبهم وعلمكم بما لم نعلمه من ذلك، ولم نروه ويكفيكم نصح الفضيل وسفيان وإمامنا مالك رضي الله عنهم لمعاصريهم من الولاة، ومنهم من بكى وانتفع، ومنهم من غشي عليه وتوجع، ومنهم من ندم واسترجع، إلى غير ما ذكرنا على اختلاف الأعصار وتنوع الدول والأقطار، فبذلك اقتدينا وبما كان عليه أشياخنا وأسلافنا لكم ولأسلافكم عملنا كالفقيه شيخ والدنا رحمه الله سيدي عبد الله الهبطي لجدكم المرحوم بكرم الله فطمعت بنجاح النصح ونفعه دنيا وأخرى فهذا أصل قضيتنا معكم، وهلم جرا والذكرى تنفع المؤمنين على كل الأحوال والحمد لله على كل حال وأواخر ربيع النبوي الأنور كتبه عن إذنه رضي الله عنه عبد ربه محمد بن الحسن بن أبي القاسم لطف الله به بمنه.
---------------------------
وإلى الحلقة القادمة



الحلقة الحادية عشرة: 
نتابع في هذه الحلقة الأحداث التي وقعت في عهد السلطان مولاي زيدان بن أحمد المنصور السعدي الشريف الأمازيغي بمناسبة ذكرى وفاته في مثل هذا الشهر شتنبر، وقبل حوالي 380 سنة، وبالضبط في فاتح محرم سنة 1037هـ موافق يوم 11 شتنبر عام 1627م
وهي بعنوان : جواب السلطان زيدان السعدي على رسالة أبي زكرياء يحيى الحاحي وهي جديرة بالقراءة بالرغم من طول نصها، لأن فيها دلالة واضحة على براعة هذا السلطان فقها وعلما وأدبا وسياسة وكمال مروءة وعلو همة وتواضع، ونظرا لطول الرسالة سأحاول نشرها في 5 أجزاء، تلافيا للملل وتيسيرا للقارئ، وفيما يلي نص الجواب الملكي:
الجزء الأول :
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد ربه تعالى المقترف المعترف، زيدان بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد إلى السيد أبي زكرياء يحيى بن السيد أبي محمد عبدالله بن سعيد، أعاننا الله وإياكم على اتباع الحق ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فقد ورد علينا كتابكم ففضضنا أختامه، ووقفنا على سائر فصوله، ثم إننا إن جاوبناكم على ما يقتضيه المقام الخطابي ربما غيركم ذلك، وأدى إلى المباغضة والمشاحنة، فيحكى عن عثمان رضي الله عنه أنه بعث إلى علي رضي الله عنه وأحضره عنده وألقى إليه ما كان يجده من أولاد الصحابة الذين اعصوصبوا بأهل الردة الذين كان رجوعهم إلى الإسلام على يد الصديق رضي الله عنه، وهو في كل ذلك لا يجيبه فقال له عثمان رضي الله عنه ما أسكتك، فقال يا أمير المؤمنين إن تكلمت فلا أقول إلا ما تكره وإن سكتت فليس لك عندي إلا ما تحب، ولكن لما لم أجد بُدا من الجواب، أرى أن أقدم لك مقدمة قبل الجواب، فلتعلم أن الحجاج لما ولاه عبد الملك بن مروان على العراق، وكان من سيرته ما يغني اشتهاره عن تسطيره هنا، فتأول ابن الأشعث الخروج عليه وتابعه على ذلك جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وأمثاله من أولاد الصحابة رضي الله عنهم، ولما قوي عزمهم على ذلك استدعوا الحسن البصري لذلك فقال لا أفعل، فإنني أرى الحجاج عقوبة من الله فنفزع إلى الدعاء أولى، قال بعض فضلاء العجم يؤخذ من هذا أن الخروج على السلطان من الكبائر، وجواز المقام تحت ولاية الظلم والجور، وقد علمت ما كان من أمر عبد الرحمن بن الأشعث وسعيد وأمثاله وعلمت قضية أهل الحرة لما أوقع بهم جند يزيد بن معاوية بالحرم الشريف ولما بلغه الخبر أنشد 
( ليت أشياخي ببدر شهدوا = جزع الخزرج من وقع الأسل ) 
وشاع ذلك عنه وذاع، وكان على عهد أكابر الصحابة وأولادهم ولا تعرض أحد منهم لنكير عليه ولا تصدى لقيام ولا خاطبه بملام، وأما ما يرجع إلى جواب الكتاب فأما ما حكيت عن الصديق رضي الله عنه في أهل البيت والأحاديث الواردة فيهم، وأنه يجب تعظيمهم واحترامهم وتبجيلهم لأجل النبي، فإن كان يجب عليكم تعظيمهم فإن تعظيمهم يجب على أولى وأولى عملا بقوله تعالى ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) سورة الشورى 23، وأجرى الله تعالى عادته أنه ما تصدى أحد لعداوة هذا البيت النبوي إلا كبه الله على وجهه، وأما ما أوردتم من الأحاديث في النصح، فإني والله أحب أن تنصحني سرا وعلانية مع زيادة شكري عليه، وأراها منك مودة وأعدها محبة، ولكني أفعل ما أقدر عليه لأن الله سبحانه يقول ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) سورة البقرة 286، ولهذا قال أكثر العلماء في صدور تصانيفهم ولم آل جهدا في كذا لأن النفوس الشريفة العالية لا تترك من فعل الخير والجد في اكتسابه إلا ما عز تناوله عليها وصعب اكتسابه، وأما ما ذكرتم من أمر أبي محلي وسيرته، وما كان تسلط عليه، أما ما كان من استنهاضكم إليه المرة بعد المرة وتكررت في ذلك إليكم الرسل حتى أجبت إليه فلا نحتاج فيه إلى إقامة حجة غير كونه خرج عن الجماعة، وقد قال ( من أراد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائنا من كان ) وإلا فلو دخل الملك من بابه وبايعه أهل الحل والعقد وأخذ ذلك بوسائط مثل بيعة جدنا المرحوم التي تضافرت عليها علماء المغرب وأهل الدين المشاهير، فلو وصل إلى ذلك بمثل هذه الوسائط لم يجب حربه ولا القيام عليه بما ذكرتم، لأن السلطان لا ينعزل بالفسق والجور، وإلا فإن الصحابة في زمن يزيد بن معاوية لا يحصى عددهم، وما تصدى أحد للقيام عليه ولا قال بعزله، وإلا فإنهم لا يقيمون على الضلالة ولو نشروا بالمناشير.
------------------------------------------
والى الجزء الثاني



Une erreur est survenue dans ce gadget